Notice: Undefined index: HTTPS in D:\xampp\htdocs\phcm\components\com_categoryblock\views\article\tmpl\default.php on line 414

Notice: Undefined index: HTTPS in D:\xampp\htdocs\phcm\components\com_categoryblock\views\article\tmpl\default.php on line 414

خالد مشاعل_سنه ثالثة_قصة قصيرة

هروب

بأصداف البحر يلهو، ينثرها ثم يلملمها  كضاربة ودع فاشلة. الشمس تجنح نحو المغيب كتاج حسناء خرجت من الأساطير لتستحم بماء الخليج الدافئ، الأمواج تطارد بعضها بوهن فتلامس قدميه وساقيه العاريتين، يكتب كلمات ويرسم أشكالاً بلا معنى ولا يكاد يتأملها حتى تتحداه الأمواج فتمسحها، يسحب شهيقاً طويلاً من سيجارته ويبتسم وهو يقول متهكماً: حتى أنت أيتها الأمواج  غير مقتنعة بأفكاري ولا تأبهين بهمومي وأحزاني؟!

بنغمة حزينة يردد جملاً حزينة وليدة اللحظة تتفتق عنها قريحته، تترقرق الدموع في عينيه حيناً، وتتلألأ على وجهه بقايا ابتسامة تارة أخرى.

يشدّ أحزمة صدره ويغلقه على أسراره ولكنه هل يفلح؟ يخشى أحياناً البوح؛ إذ اعتاد أن يفتح للحديث قنوات قبل أن يفتح صرة بضاعته التي يعتلها على كتفيه وهو يتجول بين الأحياء المنتشرة على هامش المدينة، كان يجد بين النساء والأطفال سلوته، كأنه يبحث في أشكالهم عن وجوه أحبته.

كانوا يعرفونه بالفيلسوف، ولا أحد يعرف له اسماً، ولم يرهق أحدهم نفسه بالبحث عن اسمه فهو الفيلسوف وكفى!،  ذهب الفيلسوف، وجاء الفيلسوف، غاب الفيلسوف، وحضر الفيلسوف، دون أن يسألوا يوماً عن سرّ ذلك اللقب، كانوا لا يكترثون بسعادته أو حزنه، ولكنهم كانوا يسألون عنه إذا غاب، ويستمتعون بحديثه، فمن حديثه يشعّ كثير من الحزن وقليل من الأمل.

كنت أغتنم الفرصة للقاء الفيلسوف، أستفزه، أحثّه على الكلام وأنا مستجد المزيد من أفكاره، هو لم يكن يوماً مجرد بائع متجول بالنسبة لي، كان فيلسوفاً حقيقياً بآرائه وأفكاره وتقييمه لكل ما يراه، وفي الوقت نفسه هو بائع بارع.

سألته يوماً مداعباً: عمي الفيلسوف هل سمعت بفيلم (البيضة والحجر) ؟

ابتسم وهو يجيبني: لقد شاهدته وأعجبني دور الفنان الراحل أحمد زكي فيه.

قلت: هل تستطيع أن تكون مثله ؟

ملأ رئتيه من دخان سيجارته، وقال: إذا كنت تقصد الثروة فهي ليست كل شيء في الحياة، قد أستطيع أن أكون أكثر ثراء وشهرة  من مدرس الفلسفة في ذلك الفيلم، ولكن هناك ما هو أهم من الثراء.

قلصت عضلتي عينيّ وأنا أملأ فمي بالكلمات وكأنني وضعت يدي على الحقيقة الغائبة التي يعنيها و قلت: أو تقصد الحب يا فيلسوف؟

أشهد أن نظرته المصوبة نحوي من خلف غلالة الدخان في ذلك الوقت كانت شتيمة حقيقية، وهو يكمل: أي حب تتحدث عنه يا بني؟! إن الحب الذي تعنيه إحساس غامر ورائع ولكن القضية أكبر من ذلك.. حب من نوع آخر.

لم يتح أمامي فرصة للاستيضاح أكثر، إذ سرعان ما وضع علبة السجائر والولاعة في جيبه ثم نهض ملقياً بصرته على كتفه ثم سار مخلفاً بعض دخان سيجارته.

كنت أتأمل انحناءة ظهره، متأكداً أن وزن الصرة ليس سبباً فيها، كنت أشعر أنه يحمل شجوناً وهموماً لا تقاس بوحدات الوزن.

كان البون شاسعاً بين عمري وعمره، ولكن فضولي كان يجعلني أحنّ إلى المزيد من حديثه، وكل عبارة ينطقها تؤكد لي سطحية أنه ليس مجرد مسكين على باب الله على حدّ تعبير غالبية الذين يعرفونه.

كان الفيلسوف بعيداً عن ذاكرة الحي وهو في قلبه، سيرته التي يصوغها كل وفق توقعاته حديث السهرات الهادئة، وما إن يرد ذكره حتى تبدأ التأويلات فيقسم البعض أنه جاسوس لصالح جهة ما، ويقول آخر: إنه يعدّ مخططات أكبر من الحي، وأهله، بل ومن المدينة بأكملها.

كنت أظنه باحثاً إنثروبولوجياً أو فناناً كبيراُ يعيش واقعاً حياً لدور سيتقمصه ويبدع في تمثيله.

كانوا يسخرون من أفكاري فالفنان في هذا الزمن لم يعد يعنيه أن يعيش الواقع حتى يمثل الدور، ويكفيه أن يطلع عليه، ويلمّ بجوانب معينة للشخصية التي سيؤدي دورها، ولماذا يأتي الباحث الإنثروبولوجي متنكراً إلى حيّ تائه في ملكوت الله كحينا! وإنما له مسيرة محددة بين المكتبات وأماكن القبائل والتجمعات الاجتماعية الآيلة إلى الانقراض.

كنت أتهكم من آرائهم لأني لم أجد في أفكاره ولم أر في تصرفاته شيئاً من طبيعة الجاسوس ولا من تصرفاته، فالرجل واضح كالشمس.

كنت أدافع عنه فأوجه الاتهام إليهم دون مواراة فأقول بصوت مسموع: قد يكون التحول الذي شهده العالم  أهم أسباب بوادر الشك، كلنا نعرفه قريباً من الجميع، لم نره يوماً يستدرج أحداً أو يرصد سلوك شخص بعينه، وإذا فارق الحي فمن أجل المزيد من البضاعة يلملمها من مصادرها المنتشرة في مناطق مختلفة من المدينة، إلا إذا كانت أخبار بقرة أم نواف وطاحونة أبو عايد وروضة أبو سعيد تهم الجهة التي يتجسس لصالحها، ومثل هذا الرجل البسيط لا أشكّ أنه مثقف متخم بالمعارف، ولكن أن يكون صاحب مخططات فهذا أكبر من حجمه بكثير، كنت أظنه مغرماً بإحدى فتيات الحي، ولكنه لم يكن يسدد نظراته نحو أية واحدة، ولم أر يوماً إحداهن تتوجه نحو بيته القابع في أطراف الحي.

لم يكن الفيلسوف من المدمنين على مجالسة رجال الحي ومسامراتهم، ولم يكن مغرماً باستضافة أحد في منزله المتواضع، حتى حين كنت ألتقي به كنا نجلس على حجرين كبيرين في ظل شجرة عجوز وسط الحي، كان يحلو له أن يجعل منها محطة لاستراحته من عناء التجوال، ينفث في ظلالها دخان سيجارته التي لا تبرح مكانها بين أصبعيه، قلت له يوماً ممازحاً: عمي الفيلسوف أظنك تدخن وأنت نائم،ولا أتصورك يوماً بدون سيجارة.

بين قهقهته المتقطعة وسعاله الحاد أجاب وهو يضغط بيده على صدره كما لو كان يخشى على أحشائه من التمزق: إيه .. دخن عليها تنجلي، كنا متأكدين أنها لن تنجلي مهما دخن عليها،  قد تتوارى هنيهة وسط السحابة الدخانية وسرعان ما تظهر مع تحليق الدخان وانتشاره في رحاب الفضاء ولكن الدخان لن يجلوها.

كان الفيلسوف طويلاً ناحلاً تطغى عيناه الواسعتان على ملامح وجهه الأسمر، وبوضوح تبرز شفتيه القاتمتين اللتين سلب الدخان نضارتهما.

هو لغز كبير تصطف خلفه إشارات استفهام وإشارات تعجب إلى اللانهاية كان ذلك الفيلسوف يتحدث في شتى العلوم كما لو كان عارفاً بها، فيمكنه أ ن يشرح اللوغاريتمات ونظرية فيثاغورث، ويستطيع أن يردد أبيات شعر وكأنه أحد شعراء عصره، سمعته يردد قصيدة الدارمي  مستعملاً فيها ألواناً متعددة لذلك الخمار، فلم يكتف بقول ذلك الشاعر:

قل للمليحة في الخمار الأسود / ماذا فعلت بناسك متعبد

ولكنه يجعل الخمار أزرقاً تارة، فيسحب نفساً عميقاً من الدخان وهو يقول:

قل للمليحة في الخمار الأزرق / بالله رفقاً وأشفقي وترفقي

وإذا اقتضت الضرورة وكان الخمار أحمراً قال وهو ينفث الدخان بشكل متقطع كالآهات المتقطعة:

لا تجهري بدمائنا وتستري/ قل للمليحة في الخمار الأحمر

ولست أعرف إذا ما كان هو قائل بعض هذه الأبيات!

اعتدنا نحن عشاق حكايات الفيلسوف وأحاديثه العذبة المفعمة بالمعرفة أن ننصت لحديثه الذي تتخلله اللحظات التي يعبّ فيها دخان سيجارته التي لا تنطفئ، وبدورنا نعبّ ما تيسر من الدخان الذي ينفثه، وكثيراً ما يحلو لنا تقليده فنملأ رئتينا بالدخان ونحبسه قليلاً قبل أن ننفثه لنبدأ مع نوبات من السعال المتواصل والحاد، فنعلن توبتنا التي لا تدوم طويلاً!.

أحاديث الفيلسوف الموزاييكية تطرق مواضيع بين الشرق والغرب ولكنها كانت تقاطع بحزم منقطع النظير سيرة حياته التي كنا نناور عبثاً لاستطلاع شيء منها، ولكنها هي المحظور تماماً والخط الأحمر الوحيد في أحاديث الفيلسوف، وكان الفيلسوف عبر أحاديثه يعطل بوصلتنا التي نعتقد أنها بدأت تشير إلى موطنه وهويته، فحين يحكي عن أمريكا وديمقراطيتها المزيفة نظنه عراقياً، وإذا تحدث عن الحركة الصهيونية وتاريخها الدموي الطويل اعتقدنا أنه فلسطيني، وإذا عرج بحديثه نحو القرصنة البحرية والاستيلاء على ناقلات النفط ظنناه صومالياً، وإذا تحدث عن مشكلة دارفور اعتقدنا أنه سوداني، وإن قلّد اللهجة المصرية كما في المسلسلات أو الأفلام القديمة حتمنا أنه مصري وهكذا.

نعم كان يتجول بنا في بلاد الله دون إشارة إلى مسقط رأسه، وإلى آماله الشخصية وآلامه التي تثقله، ودون أن يدخل في تفاصيل حياته التي نافت على نصف قرن.

كنا نلتقيه في الوقت الذي يشاء، لا نفرض أنفسنا عليه، نرحب بلقائه الذي يحدث في أوقات متقاربة، ويودعنا ساعة يشاء، لم نعهده يحب السهر، ولكن ليلة أمس كانت استثناء في عمر صداقتنا إذ  وجدناه يدخن ويضحك، وجهه مشرق وابتسامته عريضة.

دققت بأصابعي على جذع الشجرة العجوز التي نستظلها استبعاداً للحسد وأنا أخاطبه:

- عمي الفيلسوف ماذا حصل في الدنيا، أراك على غير العادة؟!

ازداد وجهه نضارة وهو يداعب علبة السجائر بين أصابعه، وأجاب: والله لا جديد.

بابتسامة وديعة ونظرة فيها شيء من التحري قلت: عمي الفيلسوف هل ستعود إلى بلادك وأهلك؟!

على الفور جاءني الجواب: يا بني كل البلاد بلادي، وكل الناس أهلي.

امتدت السهرة بنا إلى ما بعد منتصف الليل، ولم أكن أعلم أن شمس الصباح سوف تشرق على مفاجأة، فمع بزوغ الضوء هرع معظم سكان الحي نحو تلك الغرفة البائسة، كان الدخان يتصاعد من الباب والنافذة حاملاً بؤس العالم وألام الدنيا.

يبدو أني وصلت متأخراً قليلاً، بلهفة كبرى وأسى بالغ لففت منديلاً حول فمي وأنفي واندفعت نحو الباب، أياد عديدة حالت بيني وبين ملامح جثمانه الذي سطت عليه النار، رفعت رأسي فاصطدمت بنظرات والدي الحازمة، كانت عيناه تبوحان بقليل من الحزن وكثير من الرثاء، تراجعت قليلاً وأنا أكفكف دموعي بطرف المنديل، ثم حثثت الخطى هارباً من الوداع الأخير.

خالد جمال مشاعل

Powerd by ZU Elearning Center